languageFrançais

موسم 'البيزرة' في الهوارية.. موروث ثقافي وبيئي بين أرض وسماء

تستقبل معتمدية الهواية، أقصى شمال الوطن القبلي خلال فصل الربيع من كلّ سنة، موسم "البيزرة"، أيّ رياضة صيد طائر السمان بالصقور.

وانطلاقا من منتصف شهر مارس حتّى نهاية شهر جوان، تتحوّل مدينة الهوارية إلى وجهة استثنائيّة لعُشّاق هذا التقليد الضارب في عمق التاريخ، وهو موسم "البيزرة".

و"البيزرة" هي موروث ثقافي للجهة يجمع هواة الصيد وعشاق الطبيعة والبيئة، هكذا تحدّث أمين بالكحلة عضو نادي البيازرة بمنطقة الهوارية و"بيز" منذ نعومة أظفاره.

يقول المتحدّث لموزاييك " في الهوارية مع مستهل كل ربيع وعلى تخوم مرتفعات المنطقة، يلتقي الإنسان بالطائر في علاقة فريدة تجمع بين المهارة والصبر واحترام الطبيعة".

ويواصل قوله "يخرج البياز رفقة زملائه وأطفاله لاستقبال طائر الساف الذي يحط الرحال في ربوع الهوارية قادما من شمال البحر الأبيض المتوسط بحثا عن طقس معتدل وغذاء تعود أن يقتات عليه من غابات الجهة وهو طير السمان".

وهناك في أقصى مرتفعات جبال الهوارية قبالة جزيرة زمبرة، مع أولى لحظات انبلاج الصبح، يرابط البياز ناصبا فخ اصطياد طير الساف بتقنية دقيقة تتطلب مهارة وخبرة وصبرا يتوارثها البياز جيلا عن آخر.. والفوز الأعظم للبياز يكون باصطياد طائر لم يتقدم في العمر ويتم إطلاق المسن منها. 

ووفق أمين بالكحلة، يشترط اصطياد فرخ الساف الذي لا يتعدى عمره بضعة أشهر ليعود به إلى منزله لتدريبه وتأهيله على مرافقته وتعليمه فن اصطياد طائر السمان.

وفي هذه المرحلة، يؤكّد البياز على أنّ فرخ الساف يصبح فردا من العائلة تجهز له غرفة خاصة وطعام خاص وحفاوة منقطعة النظير كضيف مبجل.

ويؤكّد المتحدّث  "نعتني به ونكرمه فيكرمنا بصيد وفير من السمان نستخدمه لإعداد وجبات تقليدية ونخزن جزءا آخر كلحم قديد مؤومة للشتاء القادم"

وحسب المتحدّث فإنّ البيزرة، أو الصيد بالصقور، ليست مجرد هواية في هذه المنطقة الساحلية، بل هي فن وموروث ثقافيا توارثه الأهالي جيلاً عن جيل، حتى أصبح مكونا أساسيا لهوية المدينة وإليها يحج هواة هذا الفن ومتابعيه من سياح محليين وأجانب. 

الساف من صيد إلى صائد 

وبعد حوالي نصف شهر من إكرام الضيف لدى البياز يتحول طائر الساف من صيد إلى صائد فقد تم تعليمه كيفية الانطلاق لصيد طائر السمان والعودة به إلى صاحبه. عن هذه المرحلة يتحدث بالكحلة قائلا: "ينطلق "البيازرة" إلى المرتفعات، حاملين صقورهم المدرّبة، في انتظار لحظة الانقضاض على طائر السمان، الذي يمر عبر سواحل الوطن القبلي خلال رحلة هجرته السنوية.

ويُضيف: "البيزرة موش كان صيد، هي عشرة مع الصقر لازمك تفهمو وتتحول إلى صديق ياثق فيك".

والبيزرة وفق بالكحلة، ليست تجربة صيد عادية بل هي ممارسة حكيمة ورثها عن أجداده الهواريين علمته حب الطبيعة فلا يغادر مكانه إلا وقد جمع مخلفات ما تركه اثناء مرابطته لا أكياس بلاستيكية ولا بقايا معلبات. ويتعلم البياز منذ صغره معنى السلسلة الغذائية وأهمية التوازن البيئي فيحتفظ بمؤونته من صيد السمان ويطلق طائر الساف ليحلق إلى مواطن يتكاثر فيها ولا ينقطع نسلها ويواصل دورة حياته كما قننتها الطبيعة.

البيزرة نشاط مهدد بالانقراض 

ورغم وجود نادي للبيازرة في الهوارية ومهرجان للساف، بات نشاط البيزرة مهددا بالانقراض بسبب قلة إقبال الشباب عليه ولتأثير نمط الحياة الحديثة على الأجيال ما خلق نوعا من القطيعة بين الشباب والطبيعة وهو تصدع يناضل مجتمع البيازرة لرأبه ولترغيب الناشئة في هاته الرياضة مصرين على تدريب أبنائهم.

ورغم تطور تقنيات الصيد الحديثة وطغيان أنشطة أخرى على اهتمامات الشباب في الهوارية وفي تونس يظل نشاط البيازرة موروثا صامدا يأبى النسيان ويوثق علاقة أزلية بين الإنسان والطبيعة.

سهام عمار